الثلاثاء، 28 يونيو، 2011

الوساطة التربوية : المفهوم، الأدوار وآليات التأسيس بالمدرسة المغربية

ثلاثة ملاحظات أساسية تبين مدى حاجة المدرسة المغربية إلى نظام للوساطة التربوية ، أولها استمرار لظاهرة الهدر المدرسي خصوصا في المجال القروي، والذي يبلغ نسبا مقلقة تصل إلى 20% في بعض المناطق القروية في نهاية السلك الابتدائي ، وثانيا ضعف مردودية المنظومة التربوية المغربية مقارنة مع نظيراتها في دول عربية ومغاربية أخرى مثل تونس والأردن.. كما كشف ذلك تقرير البنك الدولي حول «إصلاح التعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» الصادر سنة 2008 . ويؤشر عليه كذلك وجود نسبة هامة من الأطفال الذين يعانون من الفشل الدراسي والتكرار، وضعف التعلمات الأساسية في اللغات والعلوم (تقرير المجلس الأعلى للتعليم حول نتائج البرنامج الوطني لتقويم التحصيل الدراسي 2009). وأخيرا تعرف الحياة المدرسية صعودا متناميا للعنف المدرسي سواء العنف المتبادل بين التلاميذ فيما بينهم، أو العنف الموجه إما لبنايات المؤسسة التعليمية وممتلكاتها أو للمدرسين والمدرسات .

إن هذه الظواهر الثلاثة تستدعى التفكير، ومن زوايا مختلفة طبعا، في المشاكل والصعوبات التي يعاني منها التلاميذ الذين يعتبرون أساس العملية التربوية برمتها. ولعل استمرار، أو بالأحرى تزايد حدة بعض هذه المشاكل (ضعف التعلمات الأساسية، العنف المدرسي، الغش في الامتحانات...) يدل على محدودية الآليات التي يتم اتخاذها للحد من تلك الظواهر لأن هذه الإجراءات غالبا ما يتم اقتراحها دون معرفة حقيقية بالمتعلمين ومشاكلهم وحاجياتهم .

ونعتقد أن الوساطة التربوية كما هي معمول بها في بعض الدول مثل فرنسا واسبانيا ... من شأنها أن تساعد على تحقيق الاندماج المدرسي والاجتماعي للتلاميذ الذين يعانون من مشاكل التوافق المدرسي، وتحسين جودة التعلمات داخل الفصول الدراسية والحد من بعض مشاكل المنظومة التربوية. فماهي الوساطة التربوية ؟ ماهي بعض أدوارها الايجابية ؟ من هم المؤهلون للقيام بها ؟ وما هي آليات تأسيسها في المنظومة التربوية المغربية ؟

1- في مفهوم الوساطة التربوية وأدوارها :
تعرف الوساطة التربوية على أنها : «مجموع المساعدات والدعامات التي يمكن لشخص تقديمها لشخص آخر بهدف جعله قادرا على ولوج معرفة ما : معارف ، مهارات ، إجراءات العمل ، حلول الخ». ولا يقتصر نظام الوساطة على المجال التربوي والتعليمي فقط، بل وجد تطبيقات له في نظام التكوين والتمرس والتدريب داخل المقاولات من خلال نظام «الاحتضان» (أو في المجال الحرفي كما كان معمولا به ، قديما ، في الطوائف المهنية .

وقد توصل مجموعة من علماء النفس والتربية إلى أهمية «الوساطة التربوية»، سواء تلك التي يقوم بها المدرس أو أي شخص آخر له تجارب ومعارف يمكن أن تفيد المتعلم (ة)، في مجال بناء التعلمات وتحقيق التفاعل الاجتماعي والمعرفي بين التلاميذ .
فقد كشفت أعمال فيكوتسكي ( محمد طه ، الذكاء الإنساني 2006) عن الدور الذي يلعبه الراشد بالنسبة للتلميذ (ة) في عملية التعلم من خلال مقارنته بين ما يتعلمه لوحده ، ومقدار ما يتعلم هذا الأخير أثناء مرافقة شخص راشد له أثناء اكتساب المعارف والكفايات فالتعلمات التي يكونها الطفل في حالة وجود شخص راشد تفوق تلك التي يقوم ببنائها واكتسابها لوحده . إن هذه الفرضيات التي اتضح صدقها تجريبيا ، تجعل من عملية حضور «وسيط» بين المتعلم (ة) والمعرفة مسألة ضرورية.  لأن جانبا كبيرا من المعارف والمهارات يتم بناؤها عن طريق الاحتكاك بعالم الأشخاص الذين يمتلكون تلك المعارف. ونعتقد أن أبحاث فيكو تسكي في هذا الجانب ، تعتبر من بين الأسس النظرية لنظام الوساطة التربوية الذي نقترح ضرورة تبنيه من طرف وزارة التربية الوطنية .

وقد سار جيروم برونير(Jérome Bruner) في نفس المنحى ؛ ذلك أنه اعتبر وصي التلميذ le tuteur (مدرس ، أو شخص أخر يقوم بعملية التعليم) يلعب دورا مهما في عملية اكتساب الأطفال ( les tutorés) لمختلف التعلمات والمهارات والقدرات من خلال التحفيز والمساعدة والتوجيه الذي يقدمه هذا الوسيط في هذا الجانب ، وركز بالخصوص على التفاعلات السسيوثقافية التي تنشأ عن هذه العملية وأهميتها في تكوين المفاهيم لدى المتعلمين .

وفي نفس الاتجاه دائما ، المدعم لأهمية وضرورة الوساطة التربوية ، اعتبر Reven Freuerstein ، أحد تلاميذ بياجيه ، أن الطفل يتعلم أكثر أثناء مساعدة شخص راشد له . وقد لا يكون بالضرورة هذا الشخص أستاذه (ته) في المدرسة . وإنما يمكن للأب المتعلم ، أو الأخ الأكبر أو أحد أفراد العائلة المتوفر على مستوى تعليمي يفوق مستوى التلميذ أن يقوم بمثل هذا الدور .

فمن خلال قراءة جوانب من أعمال هؤلاء الباحثين يمكن التأكيد على مجموعة من الأدوار الايجابية التي من الممكن أن تنهض بها الوساطة التربوية من أهمها : بناء الكفايات وتحقيق التعلمات الأساسية لدى المتعلمين (ات) من خلال المساعدة التي يقدمها شخص راشد؛ قد يكون مدرسا أو أبا أو أحد أفراد العائلة أو أحد المتطوعين من جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالدعم التربوي من جهة أولى . وتحقيق التفاعل والصراع السسيومعرفي بين المتعلم (ة) والمعرفة المقدمة له من طرف الشخص المكلف بالوساطة التربوية من جهة ثانية . بالإضافة ، طبعا ، إلى فهم حاجيات التلميذ (ة) ومشاكله وإيجاد حلول لها من جهة ثالثة.

إن أهم أدوار الوساطة التربوية الحالية ، والملحة في السياق المغربي هي قدرتها على التقليص من حدة الهدر المدرسي ، والتكرار، والعنف المدرسي ...وهي الظواهر التي تكشف على أن المدرسة المغربية تجهل أبنائها ، ولا تبالي بمشاكلهم وحاجياتهم الاجتماعية والنفسية والعلائقية والتربوية. غير أن تحقيق الأهداف المبتغاة من ذلك يتوقف على مجموعة من الشروط القبلية (conditions préalables) من ضمنها تأهيل المتدخلين في هذا المجال ، وإحداث آلية للتتبع والتقويم ، وتوفير الموارد الضرورية للمكلفين بهذه المهمة سواء داخل المؤسسات التربوية أو من خارجها مثل جمعيات المجتمع المدني المهتم بقضايا التربية والمدرسة المغربية.
كما أن الوساطة التربوية تتطلب من «الوسيط» أو «المرافق» نهج الأساليب الحديثة في التواصل والتربية. تقوم بالدرجة الأولى على الإنصات للمتعلم ، ورصد حاجياته في مجال التعلم ، ومساعدته لمعالجة مشاكله داخل المدرسة والأسرة وفي محيطه بشكل عام .

2- المتدخلون في مجال الوساطة التربوية ومجالاتها
يعتبر المدرس أهم عناصر نظام الوساطة التربوية لأنه يرافق المتعلم خلال سنة دراسية تمكنه من معرفة لابأس بها بشخصية الطفل ومشاكله والعوائق التي يعاني منها داخل المدرسة (مشاكل بناء التعلمات) والأسرة (مشاكل اجتماعية) ومحيطها (مشاكل علائقية وتواصلية مع مؤسسات المجتمع الأخرى). وعلى أساس ذلك ، فإن هذه الوساطة يجب أن تطال ثلاثة جوانب أساسية هي :

أ- بناء التعلمات والكفايات، ويتطلب ذلك : أن يكون المدرس وسيطا حقيقيا بين المعرفة والتلميذ خلال مختلف عمليات بناء التعلمات والسهر على نقل المعرفة من إطارها العلمي المحض إلى إطار قابل للتدريس . وهذا الجانب يتوجه بالخصوص إلى تطوير القدرات والخطاطات المعرفية للتلميذ (Jean Piaget) . ومن النتائج المتوقعة من خلال نظام الوساطة في هذا المجال تحقيق التعلمات الأساسية لدى المتعلم في مجال العلوم واللغات...

ب- تدليل المشاكل الاجتماعية والنفسية للمتعلم (ة) ، عن طريق ربط جسور التواصل بين المدرسة والمحيط الأسري للتلميذ (ة). ومساعدته كذلك على الاندماج في فضاءات المؤسسة المدرسية مثل النوادي التربوية... وينتظر من هذا النوع من الوساطة تحقيق مجموعة من النتائج الايجابية مثل إيجاد حل مشترك، بين الأسرة والمدرسة ، لمشاكل التلميذ ، وتقديم المساعدات الممكنة له ، وانخراط التلميذ (ة) في الحياة المدرسية بما تشمله من نوادي بيئية وحقوقية وأنشطة تربوية ورياضية..

ج- خلق تفاعل ايجابي بين المتعلمين فيما بينهم وإطلاق دينامية تنافسية ايجابية قائمة على التعلم المتبادل فيما بين المتعلمين . والمهام الموكولة لمنشطي الوساطة التربوية هي تنظيم أنشطة تربوية وفنية ، وتشجيع العمل التشاركي ، وترسيخ العمل الاجتماعي ، وتكريس الانتماء للمدرسة. ويتوقع من خلال هذه المجهودات ، معالجة الكثير من مشاكل المدرسة المغربية مثل العنف المتبادل بين التلاميذ ، والعنف الموجه لبنايات المؤسسة وممتلكاتها ، وتحقيق تنشئة اجتماعية تستجيب لحاجيات المجتمع في مجال المواطنة واحترام الحقوق والواجبات...

غير أن المدرس (ة) الذي يعتبر وسيطا بالضرورة ، مادامت مهمة التربية والتعليم تستدعي مثل هذه الوساطة ، لن يقدر لوحده القيام بهذه المهمة ؛ خصوصا في ظل ظروف المدرسة المغربية الراهنة المتسمة بالعديد من الإكراهات مثل الاكتضاض والأقسام المشتركة ، وعدم توفر القاعات وضعف الاستقرار المهني للمدرسين ، والتحفيز المادي والمعنوي... لهذا من الضروري الانفتاح على الجمعيات المشتغلة في مجال الدعم التربوي ، ودروس التقوية ، وتوظيف منشطين اجتماعيين (مثلا خريجو معهد العمل الاجتماعي بطنجة) ، يعهد إليهم إيجاد الحلول للصعوبات الاجتماعية التي تعترض المتعلمين .فمثل هذا العمل سيخفف من حدة العديد من المشاكل التي تعاني منها المنظومة التربوية مثل الهدر المدرسي، والعنف المدرسي ، لأنه من الممكن كما بينت التجربة في مجال التعامل مع الأطفال والمراهقين ، أن يتم حل نسبة هامة من المشاكل التي تسبب لهم ( أي للأطفال والمراهقين) الفشل الدراسي بإجراءات بسيطة وتدخلات تربوية ملائمة.
ولعل إقرار الوساطة التربوية في المجالات الثلاثة السالفة الذكر (بناء التعلمات وتدليل المشاكل الاجتماعية للمتعلمين ، وتحقيق التفاعل الايجابي مع مختلف مؤسسات المجتمع) وذلك بإشراك المتدخلين في تلك الميادين سيساهم في إعادة الاعتبار للمدرسة كمؤسسة للتكوين والتنشئة الاجتماعية ، ويعزز التواصل والثقة بينها وبين المجتمع.

3- اقتراحات لتأسيس نظام الوساطة التربوية في المدرسة المغربية
لم يتم التنصيص على نظام الوساطة في النظام التربوي المغربي بشكل رسمي إلا في التعليم الجامعي ، فقد أكد البرنامج الاستعجالي على أهمية الاحتضان (le tutorat) الذي نعتبره بدورنا أحد أهم أشكال الوساطة التربوية . حيث سيتم ، في إطار البرنامج الاستعجالي ، «تبني نظام للتأطير بالنظير حيث يوكل لطلبة الدكتوراه بمصاحبة الطلبة الجدد الملتحقين بسلك الإجازة تيسيرا لاندماجهم في الحياة الجامعية وتكييفهم مع نمط اشتغالها». وهو ما سيسمح لطلبة المستويات العليا بمساعدة زملائهم المسجلين في السنوات الأولى الجامعية .
أما في مجال التعليم الثانوي والإعدادي والابتدائي فلا وجود لأي نظام للوساطة التربوية. صحيح أن هناك محاولات غير محددة المعالم في إطار الاهتمام ب «نظام التوجيه» ، والبعد الاجتماعي لبعض الأطفال في بعض المناطق ،(مشروع تيسير) وفسح المجال للجمعيات ، من خلال شراكات معينة بتقديم دروس للدعم داخل المؤسسات التعليمية ، وتأسيس بعض مراكز الاستماع في مدن مثل مراكش ، والدار البيضاء وفاس ...

وبالرغم مما لعبته تلك التدخلات من أدوار ايجابية ، كما تتجلى في تقليص مشاكل بعض التلاميذ والتخفيف من آثارها. فإنها ، لم تتحول بعد إلى نظام متكامل للوساطة التربوية. لأن هذه المهمة منوطة أساسا بوزارة التربية الوطنية التي يتوجب عليها عقلنة تدخلاتها أولا وتدخلات المجتمع المدني ثانيا. والحرص على استهداف المشاكل الحقيقية التي تواجه المنظومة التربوية. لقد قامت الحكومة المغربية خلال سنة 2003 بدور كبير في هذا المجال عندما وضعت إطارا قانونيا للشراكة بين الدولة والجمعيات (منشور السيد الوزير الأول رقم 7/2003 بتاريخ 27/06/2003). وعلى غرار ذلك يتوجب عليها الآن التفكير في إطار قانوني للوساطة التربوية قادر على المساهمة في استغلال الرأسمال الاجتماعي الذي تمثله جمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال التربية. فهذا الرأسمال (le capital social)لم يستغل بما فيه الكفاية.

وبالنظر لأهمية الوساطة التربوية في النهوض بجودة التعليم ، ومحاربة ظاهرتي التكرار والانقطاع عن الدراسي ، كما أشرنا إلى ذلك سابقا ، وبهدف إشراك المجتمع المدني والأفراد في هذا المشروع الواعد ، نقترح أن تتدخل وزارة التربية الوطنية من خلال أربع واجهات أساسة:
أ?- الواجهة القانونية: عبر إصدار نص قانوني أو مذكرة تحدد شروط ومقتضيات تفعيل نظام الوساطة التربوية في المدرسة المغربية ، وأدوارها ، وآلياتها والمتدخلين في هذا المجال.
ب?- وضع برنامج سنوي في هذا المجال: يحدد مكان التدخل والفئات المستهدفة من الوساطة التربوية وأشكال اقتراح المشاريع من طرف المتدخلين.
ت?- إقرار آليات ومقتضيات والتزامات المتدخلين في هذا المجال من جمعيات وأفراد وفق دفاتر تحملات محددة.. ذلك أنه ، وإلى حدود الآن لا يمكن للجمعيات أن تقوم بأدوار محددة في مجال الوساطة إلا في إطار اتفاقيات الشراكة بين الجمعيات والنيابات ، الذي يعتبر إطارا محدودا .
ث?- تخصيص الموارد المالية والإمكانيات المادية الملائمة لانجاز هذا البرنامج ، وإقرار نظام للتتبع والتقويم على المستوى الإقليمي ومناقشة النتائج التي تم تحقيقها مقارنة مع الأهداف المحددة سلفا.
إن التفكير في إرساء نظام للوساطة التربوية ، يحمل آفاقا واعدة بالنسبة للمدرسة المغربية. فمن جهة، سيمكن هذا النظام من الاستفادة من الرأسمال الاجتماعي الذي يشكله النسيج الجمعوي المهتم بقضايا التربية والتعليم وما راكمه من تجربة في مجال الدعم التربوي . ومن جهة أخرى ، من شأن وضع هذا النظام أن يساهم في التقليص من المشاكل التي تعاني منها المنظومة التربوية مثل الهدر المدرسي ، والانقطاع عن الدراسة ، كما سيساهم في عقلنة تدخلات وزارة التربية الوطنية في مجال الدعم التربوي، والتوجيه، والمساعدة الاجتماعية للتلاميذ التي يتم تنفيدها حاليا بشكل عشوائي ، وأخيرا سيساعد على المشروع على وضع المدرسة ضمن أولويات المجتمع بشكل عام .



رشيد بن بيه

الاتحاد الاشتراكي 2/12/2010 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق